يقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - :

عندما كنت أتلو سورة الأنفال ، وأتتبع معركة بدر .. قلت لمن حولي : نحمد الله بأن قافلة قريش نجت وفر بها أبو سفيان .. !
فسألني سائل : لماذا وقد كان الصحابة يتمنون الاستيلاء عليها ، وهم على أي حال أولى بها من مشركي مكة ؟!
قلت : لو وقعت فى أيديهم ودار القتال من أجلها لقال المستشرقون : جهاد لطلب المال ، وحب الدنيا .. من أجل القافلة خرجوا وفى سبيلها ماتوا .. !! وسينسى المرجفون والأفاكون خمس عشرة سنة انقضت فى كفاح مرير وتضحية موصولة قبل معركة بدر !
فشاء الله سبحانه أن تسير الأمور ضد رغبة الأصحاب ، وأن تخلص القافلة لعبدة الأوثان .
( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين ).. َ (7) (الأنفال)
وهكذا أراد الله أن يدور القتال لا تشوبه شائبة .. بين توحيد يرجو الله واليوم الآخر ، ووثنية لا ترجو لله وقارا ، ولا تنشد عنده ثوابا .. فماذا كانت النتيجة ؟!
كسب المسلمون المعركة بشرف باذخ وسطوة اشرأبت لها الأعناق فى جزيرة العرب ! ثم ماذا ؟ لعل أصحاب القافلة باعوا نفائسها لافتداء أسراهم فى المدينة الظافرة .. ثم ماذا أيضا ؟
يحكي أبو تمام فى حماسته أن امرأة فى مكة سمع صياحها لأن بعيرا لها انطلق فى الصحراء .. فقال أحد رجال مكة المكظومين :
أتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهود ؟
ولا تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود !
ألا قد ساد بعدهم أناس ولولا يوم بدر لم يسودوا !
نعم.. إن يوم بدر قلب موازين الشرك كلها ، وخفض رجالا ورفع آخرين ، فهل علم من يجهل ، حكمة الله فى تمكين القافلة من الفرار ، وعدم تحقيق رجاء المسلمين فى الاستحواذ عليها ... ؟ .
فهل نعلم الآن أن فقد التيار الإسلامي للجولة مع أعداء الإسلام.. واليهود والنصارى .. وغيرهم ، ليس هى الشر كما نتخيل .. !؟
بل والله أرى فيها كل خير فهي الممحصة.. وهي الفرز للصفوف : أيهم فى جانب الرحمن وأيهم فى جانب الشيطان .. !!
فاصبروا ورابطوا واتقوا الله .. وتقربوا إليه بما يحب .. وسيكون النصر من قلب الهزيمة .. بإذن الله القوي المتين
.
.
من كتاب الحق المر للشيخ محمد الغزالي ....صـــ 9 ، 10