مقال جميل... رحم الله أبي و غفر له و أسكنه فسيح جناته.
يقول صاحب المقال
طبخة المقال الطويل كشف لي
عن أهمية « ظل الراجل » في البيت ، فعندما يحضر الأولاد من المدرسة
أو من أعمالهم ثم ينحنون نحو اليسار إلى المطبخ بحثاً عن أمهم ،
ولا ينحنون إلى اليمين حيث مكان جلوسي بحثاً عنّي ،
رغم أن تواجدي مقابل المطبخ تماماً
في الغالب ،
لا أتوقّف كثيراً حول هذا « التطنيش »،

أحياناً أسمع أمهم تقول لهم :
« سلمتوا على أبوكم ؟..
أو روحوا سلموا »..
بين هذا الطلب وتنفيذه يستغرق الأمر من ربع إلى نصف ساعة ،
ولا أتوقف كثيراً حول هذا « التطنيش » أيضاً ..
فالدنيا زحمة ، والطرق المؤدية
من المطبخ إلى غرفتي تشهد ازدحاماً مرورياً كبيراً ، بسبب « حلة المدارس »
، أو الأعمال
وقد يستغرق منهم الوصول إليّ وقتاً أطول ..
في نهاية المطاف يصلون نحوي فرادى وبقبلٍ باردة ممزوجة بطعم الشيبس الحار وعلكة الفراولة ،
بعد أن يكونوا قد أكلوا ما أحضروه من مدارسهم وأعمالهم .

الخميس الماضي ، وفور وصول أكبر الأبناء ،
خرجت بالصدفة من مكاني الذي أعتاد الجلوس فيه لأرتدي سترة من غرفة النوم
فوجدته يقف في المطبخ يهمّ بمناولة
« الست الوالدة » شيئاً ما ،
وعندما رآني تراجع وأخفاه خلف ظهره ، فأكملت طريقي دون انتباه
وعند العودة ضبطته وهو يضع قربها
« إصبع شوكولاتة » فاخراً
قد اشتراه لها من مصروفه ،
وعندما رآني خجل مني ولم يعرف كيف يتدارك الموقف ،
ثم بعد ثوانٍ حاول أن يخرج من جيب بنطاله « الجينز »
حلوة على « ليمون » كانت ملتصقة
في قعر الجيب بالكاد أخرجها ،
وعليها بعض قطع المناديل محاولاً إهدائي إياها
شكرته وأعدتها إلى جيبه ..
أنا لا أتوقف كثيراً حول هذا
« التمييز العنصري » الواجب عليه ،
صحيح أن الشوكولاتة التي اشتراها لأمه لذيذة جداً ،
ونفسي فيها إلى هذه اللحظة ،
لكنني لا أنزعج من ميلهم كل الميل
نحو أمهم ، فهذا واجب شرعي ،
فقد كنا مثلهم وأكثر ،
رغم كدّ الأب ، وسفر الأب ، وتعب الأب وحنان الأب ،
إلا أن الجنوح يكون نحو الأم ،
وهذه طبيعة فطرية لا نتحكّم فيها !

الغريب أن الأولاد لا يكتشفون حبّهم الجارف لآبائهم إلا متأخراً ،،، !!!
إما بعد الرحيل ، وإما بعد المرض وفقدان الشهية للحياة ...
وهذا حب متأخر كثيراً حسب توقيت الأبوة ...
الآن كلما تهت في قرار ، أو ضاق عليّ طوق الحياة ، أو ترددت في حسم مسألة ...
تنهّدت وقلت :
« وينك ياأبي » ...
لو أعرف أن العمر قصير إلى هذا الحد لكنت أكثر قرباً منك !!!

الكاتب/ أحمد حسن الزعبي