أصبح من المعروف الآن على مستوى العالم أن مآل الحمية المنحفة أو الريجيم بعد النجاح هو استعادة الوزن المفقود والعودة إلى الوزن السابق أو ما يزيد، ولا تكون النتيجة بالنسبة للشخص إلا تكرار المحاولة وهكذا كما بينا في مقالنا السابق عن تأرجح الوزن وقد ظهرت في أوائل التسعينات من القرن العشرين نتائجُ العديد من الدراسات المسحية التي تؤكدُ أن الحميةَ المنحفةَ -وليسَت السمنة- هي التي تزيد من خطورة الموت Mortality Risk من مرةٍ ونصف إلى مرتين ونصف!!.... وهذا تماما عكس الحكمة الطبية التقليدية التي ترى في السمنة المفرطة بابًا للعديد من الأمراض وعاملاً يسببُ قصرَ العمر ويكونُ الخلاص منه بالتزام حمية منحفة تجعلُ الجسد رشيقًا، على العكس من؛

فبينما كانت السمنةُ متهمةً بالتسبب في أمراض القلب والشرايين التاجية؛ أصبحتِ الحميةُ المنحفة أكثرُ ارتباطًا بالموت الناتج عن أمراض القلب والشرايين التاجية (Jeffrey etal., 2002)! وأظهرت نتائجُ دراسات تم عرضها خلال المؤتمر الأوروبي الخامس للبدانة أن متأرجحات الوزن من السمينات لديهنَّ تضخما في بطين القلب الأيسر (Left Ventricular Hypertrophy (LVH أكثرَ من غير متأرجحات الوزن من السمينات، وبينت دراسةٌ أخرى أن حجمَ الصفائح الدموية Platelet Volume يزيدُ بصورة ملحوظةٍ أثناء الحميةِ المنحفة وهو ما يعتبرُ عاملَ خطورةٍ لأمراض الشرايين التاجية والسكتةِ المخية، كما أن الكبدَ في كل فترةِ استعادةٍ للوزن بعد فقده يخزن كمياتٍ أكبرَ من الدهون داخله وزيادةُ دهون الكبد مشهورةٌ بتأثيراتها الصحية السلبية (Gebhard et al.,1996) و (EPIETOA,1998).

وأما الآليةُ التي يتسببُ تأرجحُ الوزن من خلالها في هذه الآثار الصحية السلبية فما تزالُ غيرَ محددةٍ بشكلٍ دقيقٍ وإن كانت العوامل التالية مفترضةً كلها: زيادة الكوليستيرول بسبب الحمية Hypercholesterolemia ، نقص الكوليستيرول المفيد (الدهون عالية الكثافة HDL High Density Lipids ) والتي تقوم بالحماية من تصلب الشرايين، نقص دهون الأوميجا - 3 Omega-3، والتي يعتقدُ أنها تحمي من سرطان القولون ومن النوبات القلبية، الفقد الجزئي المتكررُ للنسيج القلبي وكذلك للنسيج العظمي، زيادةُ أعداد الخلايا الدهنية، تغيراتٌ في مستقبلات الخلايا الدهنية، إضافةً إلى أن الوزن المستعاد (أثناءَ فترةِ الزيادةِ من دورة تأرجح الوزن) غالبًا ما يكونُ في نصف الجسد العلوي أكثرَ من نصف الجسد السفلي، وهذا النوع من توزيع الدهون يمثل عامل خطورةٍ لأمراض القلب والأوعية الدموية على الأقل في الرجال (Jeffrey etal., 2002).

وبالرغم من الرعب الذي توحي به هذه النتائج إلا أنها ليست مؤكدةً ولا هي نهائيةٌ مثلما كل شيءٍ في العلم الحديث، فهناكَ دراساتٌ ترى عدم ثبوتِ وجود زيادةٍ في معدلات الوفيات بسبب ترجاف الجسد أو تأرجح الوزن إحداها هي (Douketis & Attia , 1999).

ورغم كل النتائج المرعبة التي ذكرتها لتوي، والتي كانت منذ سنوات قليلة نتائجَ محترمة وعلميةٌ ومحايدة، وكان الباحثون يعلقُون عليها بعباراتٍ مثل: إذا كنتَ تنوي البدءَ في نظام حميةٍ منحفة فاعلم أنكَ ستستمرُّ عليه مدى الحياة أو ستتسببُ لنفسكَ في أضرارَ لا حد لها
! أو عبارةٍ مثلَ: الرجالُ الذين يقضونَ أغلبَ حياتهم على نظام الحمية المنحفة معرضونَ أكثرَ من غيرهم لأمراض القلب والشرايين التاجية وارتفاع ضغط الدم والبول السكري، أو عبارةٍ مثل: الناس الذين تتأرجحُ أوزانهم أكثرُ عرضةً بمقدار الضعف لنوبات القلب وللموت المبكر Premature Death ! أو مثل: كل دورةِ تأرجح وزن تعني أن كبدكَ سيصنعُ ويخزنُ الكثير من الدهون التي قد تتسببُ في تصلب الشرايين ونوبات القلب.. بالرغم من ذلك فليسَ غريبًا أن تجرى دراساتٌ للدعاية لحمية منحفةٍ جديدة، وليس غريبًا أن يقال لنا: إن هذه التعليقات والنتائجُ التي استمدت منها يوجدُ الآن ما يفندها ويكذبها من نتائج الدراسات العلمية المحايدة.

ليسَ غريبًا لأن صناعةَ الحمية المنحفة هي واحدةٌ من أكبر وأقوى الصناعات في عالم اليوم، ولكن من حقنا أيضًا أن نشك في النتائج، فإذا ما ارتابَ المرءُ في نوايا وتحيزات القائمين على هذه الدراسات وفي الطرق التي يتبعونها للقياس، فمثلاً هل هم من دعاة الحمية المنحفة، أو هم متأثرونَ بآرائهم؟ أو هل هم من دعاة اللاحمية أو المتأثرين بآرائهم؟ لا يستطيعُ المرءُ في النهايةِ أن يقولَ إلا الله سبحانه أعلم.

علاقةُ ترجاف الجسد (تأرجح الوزن) بالإمراضية النفسية:
وأجريت كذلك مجموعةٌ من الدراسات لاستكشاف علاقة تأرجح الوزن بحدوث نوبات الدقر والاكتئاب واضطرابات الأكل بوجهٍ عام، ومن بين هذه الدراسات دراساتٌ مقطعيةٌ آنية Cross-Sectional Studies، ودراساتٌ مستقبليةٌ Prospective Studies ، ومعظمُ الدراسات المقطعية الآنية بينت أنه كلما زادت محاولات إنقاص الوزن وبالتالي تأرجح الوزن، زاد حدوثُ نوبات الدقر وزاد عدم الرضا عن صورة الجسد وشعور الشخص بالعجز تجاه الأكل (Foster et al.,1997).

ومن الدراسات المقطعية أيضًا دراسةٌ أرجعت هذه التغيرات النفسية المصاحبة لتأرجح الوزن لا إلى تأرجح الوزن وإنما لوجود اضطراب نوبات الدقر (Kensinger et al.,1996) بينما لم تجد دراساتٌ أخرى مثل هذه العلاقة بين تأرجح الوزن والإمراضية النفسية بما فيها الاكتئاب ونوبات الدقر، لا عند التقييم المقطعيِّ الآني ولا بعد المتابعة المستقبلية للمرضى، رغم استعادة بعضهم للوزن المفقود أثناءَ الحمية (Wadden et al.,1997).

لكنَّ بعض الدراسات وجدت نوعًا من العلاقة المحتملة بين تأرجح الوزن وانخفاض الروح المعنوية والحالة الجسدية العامة وليسَ الاكتئاب بمعناه الطبنفسي وبينت دراسةٌ حديثةٌ (Foster et al.,1997) أن تغير المزاج الإيجابيّ المصاحب للنجاح في إنقاص الوزن قد بقيَ عند المتابعة بالرغم من استعادة الوزن المفقود، ومعنى ذلك أن نتائج كل من الدراسات المقطعية والدراسات المستقبلية ما تزال متضاربةً إلى حد كبير، وفي وجود التعبيرات التي تسمعُ من المرضى والتي يعبرون فيها عن إحباطهم المتكرر بسبب تأرجح الوزن، يصبحُ بإمكاننا افتراضُ أن الإدراك الشخصي لتأرجح الوزن ورد الفعل الشخصي المقابل له ربما يكونُ أهمَّ من تأرجح الوزن فوقَ الميزان وهو ما تقيسه الدراسات (Friedman et al.,1998).

ولا يستطيعُ المرءُ إزاء ذلك إلا أن يتساءلَ: إذا كانَ من الصعب حتى الآن إيجادُ تبريرٍ علميٍّ أولاً لاعتبار البدانة مرضًا أو تغيرًا مضرًّا بالصحة في حد ذاته، وثانيًا لاستخدام أساليب الحمية المنحفة المختلفة كعلاجٍ لحالة البدانة؟ فهل هناكَ مبررٌ للاستمرار في انتشار صناعة الرشاقة بل وجعلها واحدًا من الميادين الطبية، رغم كل ما يعرفه الطبُّ من مساوئها وفشلها الذي هو أوضحُ من الشمس بغض النظر عن طريقة الحمية المتبعة كما يتضحُ من دراسات الأطباء التي عرضنا نتائجها؟ وإذا كنا نعرفُ أن الفشل المؤكد في علاج البدانة بالحمية المنحفة إنما تنبعُ جذوره من طبيعةِ الجسد البشري نفسه، وأن الجسد يتصرفُ ضدَّ من يحاولونَ تغيير هيئته وكأنه يرفضُ وضعه الجديد بقوةٍ وربما بجنون
! بحيثُ تصبحُ اللاحميةُ (وربما بقاءُ الشخص بدينًا كما هو في بعض الأحيان) أفضل على المدى البعيد من حميةٍ فبدانةٍ فحميةٍ كما هو الحال في معظم الأحيان.

إذا كان الفشل المشهور لبرامج الحمية ليسَ كافيًا للحد من توحش صناعة الرشاقة في كل مكانٍ في العالم، فهل كون تأثيراتها الجسدية والنفسية على المدى البعيد أسوأ من بقاء الشخص بدينًا مدى الحياة يمكنُ أن يكونَ كافيًا لإقناع الناس باللاحمية؟! أو التوقف عن الريجيم ؟!